كثيرٌ هو حديثكم عن فراقِ الحب، ألا تعلمون بأنَّ فراقَ الأب يقتل؟! تعلمت أن لا فراق يكسر حنايا القلب مثل فراق الأب، فراق الأب كسرة لا يشعر به إلا من عاناه، شعور أنك تفقد أبيك هو شعور أنك تفقد الحياة وأنت على قيد الحياة، أبي كان الشخص الحنين، الطيب، الخلوق، المحب لصلة رحمه، كان يعلمني الكثير من الأخلاق، كان يعلمني الشجاعة، أن تفقد أباك معناه أن تفقد المظلة التي تحميك من الشرور، وها أنا قد فقدت مظلتي، أبي أنت من علمني معنى الحياة، أنت من أمسكت بيدي على دروبها، أجدك معي في ضعفي، أجدك حولي في فرحي، أجدك توافقني في رأيي حتى لو كنت على خطئ فأنت معلمي، (هنيئًا لي بك أيها الأب العظيم)، يحزنني عندما يتحدث صديقاتي عن أبيهم وأنت أحداثك معي قد انتهت، أحيانًا أتذكر مواقف سابقة كانت تضايقه مننا، مثل منعه من الخروج حتى لا يتأذى من الكورونا، وأن لا يدفن من مات بالكورونا ولا يحضر جنازته، خوفي عليه من العدوى، كان يغضب كثيرًا ويقول لي الأعمار بيدي الله، أتذكر لك يا أبي مواقفك العظيمة التي تركتها بقلبي ولن أنساها، يخطرلي موقفًا له أنه كان يعلم رجل كبير في السن قراءة القرآن الكريم بكل حب أثناء العمل، أبي، من سيعوضني عنك، ومن سيمنحني حنانك العظيم؟
لمن سأهرب حين أتألم، حين أفرح، حين أكون أنا؟
من سيفهمني غيرك؟
صدقني لا أحد، باب من سأطرق حين أحلم وحين أخطئ؟
ولمن سأخبر عن مخاوفي، ومن سيربط على كتفي قُلي عندما أخاف؟
لقد كُنتَ كل شيء وبعدكَ أصبحتُ لا شيء، فالعلاقة التي جمعتنا لم تكن مجرّد علاقة أبٍ يُمارس مهامه كأب؛ لقد كُنتَ أمي، أخي، حبيبي، بيتَ سرّي والأمان كله، قبّلوا أبائكم، احتضنوهم، استغلوا وجودهم؛ ففراق الأب لا يطاق.
بقلم /ندى عبدالناصر
